محمد بن جرير الطبري

24

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وكان بعض أهل العربية يوجه معنى ذلك ، في قوله : فلذلك فادع إلى معنى هذا ، ويقول : معنى الكلام : فإلى هذا القرآن فادع واستقم . والذي قال من هذا القول قريب المعنى مما قلناه ، غير أن الذي قلنا في ذلك أولى بتأويل الكلام ، لأنه في سياق خبر الله جل ثناؤه عما شرع لكم من الدين لنبيه محمد ( ص ) بإقامته ، ولم يأت من الكلام ما يدل على انصرافه عنه إلى غيره . وقوله : ولا تتبع أهواءهم يقول تعالى ذكره : ولا تتبع يا محمد أهواء الذين شكوا في الحق الذي شرعه الله لكم من الذين أورثوا الكتاب من بعد القرون الماضية قبلهم ، فتشك فيه ، كالذي شكوا فيه وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب يقول تعالى ذكره : وقل لهم يا محمد : صدقت بما أنزل الله من كتاب كائنا ما كان ذلك الكتاب ، توراة كان أو إنجيلا أو زبورا أو صحف إبراهيم ، لا أكذب بشئ من ذلك تكذيبكم ببعضه معشر الأحزاب ، وتصديقكم ببعض . وقوله : وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم يقول تعالى ذكره : وقل لهم يا محمد : وأمرني ربي أن أعدل بينكم معشر الأحزاب ، فأسير فيكم جميعا بالحق الذي أمرني به وبعثني بالدعاء إليه . كالذي : 23669 - حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وأمرت لا عدل بينكم قال : أمر نبي الله ( ص ) أن يعدل ، فعدل حتى مات صلوات الله وسلامه عليه . والعدل ميزان الله في الأرض ، به يأخذ للمظلوم من الظالم ، وللضعيف من الشديد ، وبالعدل يصدق الله الصادق ، ويكذب الكاذب ، وبالعدل يرد المعتدي ويوبخه . ذكر لنا أن نبي الله داود عليه السلام : كان يقول : ثلاث من كن فيه أعجبني جدا : القصد في الفاقة والغنى ، والعدل في الرضا والغضب ، والخشية في السر والعلانية وثلاث من كن فيه أهلكته : شح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه . وأربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة : لسان ذاكر ، وقلب شاكر ، وبدن صابر ، وزوجة مؤمنة . واختلف أهل العربية في معنى اللام التي في قوله : وأمرت لا عدل بينكم فقال بعض نحويي البصرة : معناها : كي ، وأمرت كي أعدل وقال غيره : معنى الكلام : وأمرت بالعدل ، والامر واقع على ما بعده ، وليست اللام التي في لا عدل بشرط قال : وأمرت تقع على أن وعلى كي واللام أمرت أن أعبد ، وكي أعبد ، ولا عبد . قال : وكذلك كل ما طالب الاستقبال ، ففيه هذه الأوجه الثلاثة .